مولي محمد صالح المازندراني

338

شرح أصول الكافي

* الشرح : قوله ( ان الشيطان يدير ابن آدم في كل شيء ) من أحوال المبدأ والمعاد والإيمان والطاعة والمعصية والأخلاق ( فإذا أعياه جثم له ) أي لزم مكانه ولم يبرح ( عند المال فأخذ برقبته ) فالمال مصيدة عظمى ومكيدة كبرى للشيطان في صيد الخلق وجذبهم إلى الباطل وإضلالهم عن طريق الحق وحملهم على الجمع من طريق الحلال والحرام بالحيلة والخدعة والظلم وبعثهم على الأعمال والأخلاق الخارجة عن القوانين العقلية والشرعية . 5 - عنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليِّ بن النعمان ، عن أبي اُسامة زيد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من لم يتعزَّ بعزاء الله تقطّعت نفسه حسرات على الدُّنيا ومن أتبع بصره ما في أيدي النّاس كثر همّه ولم يشف غيظه ومن لم ير لله عزّ وجلّ عليه نعمة إلاّ في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه . * الشرح : قوله ( من لم يتعز بعزاء الله ) عزى يعزي - من باب علم - : صبر على ما نابه ، وعزيته تعزية : قلت له : أحسن الله عزاك أي رزقك الصبر الحسن ، والعزاء - مثل سلام - اسم من ذلك ، وتعزى هو تصبر ، وشعاره أن يقول : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) كما أمر الله تعالى ومعنى قوله بعزاء الله أي بتعزية الله إياه فأقام الاسم مقام المصدر ( تقطعت نفسه حسرات على الدنيا ) لعل المراد بالنفس الروح الإنساني أعني النفس الناطقة المدبرة للروح الحيواني الذي به يتحقق الموت إذا فسد وهي باقية أبداً ( 1 ) إما مسرورة بما حصلت

--> 1 - قوله « به يتحقق الموت إذا فسد وهي باقية أبداً » لعلك عرفت بما كررنا لك في هذه التعليقات من الأدلة والشواهد على تجرد النفس الناطقة وبقائها ما يغنيك عن تأسيس الكلام في هذا المقام ، لكن لا بأس بالإشارة إلى حاصل ما مضى بتعبير أوضح لتقريب ذهن المبتدئ إن شاء الله تعالى ، فنقول : كل موجود وإن أمكن في حقه الفساد والفناء انما يتصور فناؤه إما بفناء علته الفاعلية كزوال نور الشمس بأفولها وانتفاء نور السراج بانتفاء نفس السراج ، وإما بزوال الموضوع والمادة إن توقف وجوده عليهما كزوال الطعم والرائحة عن الأشياء بتحلل مزاج الموضوع وتفرق عناصره كاللحم والفاكهة إذا فسد ، أو إما إن لم يحتج الشيء إلى الموضوع والمادة أصلاً كنور الشمس على الجدران فإنه غير محتاج إليها ، أو احتاج إليهما في أوّل الحدوث لا في البقاء كالدخان المتصاعد من الحطب والجزل المتحرق فربما يبقى الدخان بعد أن صار الجزل رماداً ، وانما يحتاج الدخان في حدوثه فقط إلى احتراق الحطب ، وأما النفس الناطقة الانسانية لما ثبت تجردها وعدم احتياجها إلى المادة بعد وصولها إلى رتبة العقل بالفعل وإدراك الكليات في الجملة وإن احتاجت إلى حصول المزاج الخاص بالإنسان في الجنين أوّل حدوثها كانت بمنزلة الدخان الساطع يحتاج في أوّل حدوثه لا في بقائه ، والبدن بالنسبة إليها كالعلل المعدة دون الفاعلة ، ومثله البناء والبناء حيث يحتاج البيت إليه في حدوثه لا في بقائه ، فلا وجه لبطلان النفس الناطقة بفساد البدن من جهة فساد البدن ، بخلاف القوى البدنية كالباصرة والسامعة فإنها من الروح الحيواني الذي يؤثر الموت في فنائها وهي بمنزلة آلات للنفس الناطقة كالمنشار للنجار ، والمنظار للبصر الضعيف . فإن قيل : سلمنا أن النفس الناطقة لا يجب أن تفنى بفناء البدن ، كالدخان حيث لا يفنى بفناء الحطب ، فما الدليل على أنها لا تفنى بنفسه . ولا تتلاشى كما يتلاشى الدخان لا بسبب فناء الحطب بل بسبب آخر وهذا من التشكيكات الفخرية ، وأجاب عنه المحقق الطوسي في شرح الإشارات بما حاصله أن النفس الناطقة ليست جسماً مركباً من أجزاء مقدارية أو من عناصر مختلفة [ كالدخان حتى تتلاشى كما يتلاشى الدخان وإنما شبهنا النفس به في عدم الاحتياج إلى البدن بعد الوجود فقط ] وأيضاً النفس ليست مركبة من جزئين أحدهما كالهيولى والآخر كالصورة حتى يتعقل تبدل النفسية بصورة أخرى لأن الشيء الذي يمكن أن يتصور جزء من النفس كالهيولى لابُدّ أن يكون مجرداً غير ذي وضع وغير متمكن في مكان ولا متحيزاً في حيز ، والشيء المتصف بهذه الصفات لابُدّ أن يكون عاقلاً وإن سميناه هيولى ، فهي بنفسها من غير أن يلحقها تلك الصورة تدرك ، وهي باقية كسائر الهيوليات وإن احتمل أن للهيولي المفروضة صورة يكون إدراكها وتعقلها بتلك الصورة ، نلتزم حينئذ بعدم إمكان انفكاك تلك الصورة عن تلك الهيولى وتبدلها بصورة أخرى لأن هذه الحالات الطارية لابُدّ أن تكون حادثة زمانية معلولة لتغيرات استعداد وهذه كلها غير ممكنة في غير الأجسام المادية . ثم لما أوهم كلام الشارح هذا روحانية المعاد فقط استدركه بقوله : وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد الحشر فأثبت صيرورة الكمالات والرذائل أجساماً بعد الحشر على ما سبق مراراً من تجسم الأعمال ; وقد سبق أيضاً أن كل كمال لا يتوقف استمرار وجوده على الجوارح يبقى مع النفس وإن كان متوقفاً على البدن أوّل حصوله . ( ش ) .